الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

429

انوار الأصول

التنبيه التاسع عشر : تعارض الاستصحابين وقد قسّمه المحقّق الخراساني رحمه الله إلى قسمين ، فإنّها تارةً يكونان من قبيل المتزاحمين ( وقد مرّ في مبحث اجتماع الأمر والنهي أنّ التزاحم عبارة عن كون كلا الدليلين ذا مصلحة واقعيّة ولكن المكلّف لا يقدر على إتيانهما معاً ) كما في غريقين نحتمل حياة كلّ منهما ، فمقتضى استصحاب حياتهما وجوب إنقاذ كليهما ولكن المكلّف لا يقدر إلّا على إنقاذ واحد منهما . وأخرى يكونان من قبيل المتعارضين كما إذا علمنا بطهارة أحد الإنائين اللذين كانا نجسين سابقاً فيجري استصحاب نجاسة كلّ واحد منهما مع العلم بمخالفة أحدهما للواقع ، وكذلك العكس وهو ما إذا كان الإناءان طاهرين سابقاً ثمّ علمنا بنجاسة أحدهما من غير تعيّن ، فاستصحاب طهارة كلّ واحد منهما يعارض استصحاب طهارة الآخر للعلم بكذب أحدهما . أمّا القسم الأوّل : فقد ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله في هامش الكفاية إلى أنّ حكمه التخيير إلّا أن يكون أحدهما أهمّ من الآخر فيقدّم ، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ النبي وغيره ، أو دار الأمر بين انقاذ مسلم وذمّي ( بقاءً على وجوب إنقاذ الذمّي أيضاً ) . لكن الصحيح أنّه على أقسام أربعة : فتارةً تكون النسبة بينهما التساوي ولا ترجيح لأحدهما على الآخر لا من ناحية المحتمل ولا من ناحية الاحتمال ، فالحكم حينئذٍ التخيير بلا إشكال . وأخرى يكون أحدهما أكثر احتمالًا من الآخر مع تساويهما في جانب المحتمل ، كما إذا كانت درجة احتمال نجاة أحدهما ثمانين في المائة ودرجة احتمال نجاة الآخر عشرين في المائة مع عدم ترجيح بينهما فيقدّم الأوّل على الثاني طبقاً لقاعدة الأهمّ والمهمّ . وثالثة يكون أحدهما أهمّ في جانب المحتمل مع تساويهما في جانب الاحتمال ، ومثاله يظهر ممّا ذكرنا فيقدّم الأهمّ أيضاً على المهمّ . ورابعة يكون أحدهما أكثر احتمالًا والآخر أهمّ محتملًا ، فلا بدّ حينئذٍ من الكسر والانكسار وتشخيص ما يكون أهمّ في المجموع وتقديمه على الآخر . وأمّا القسم الثاني : ( وهو المتعارضان ) فهو بنفسه على قسمين : فتارةً يكون الاستصحابان طوليين بأن كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر